تنظيم القمار في العالم العربي: التحديات والآفاق

تنظيم القمار في العالم العربي: التحديات والآفاق
تنظيم القمار في العالم العربي: التحديات والآفاق

تحظى ألعاب المقامرة باهتمام واسع وجمهور كبير في جميع أنحاء العالم تقريبًا، بما في ذلك دول المنطقة العربية. بفضل تطور تقنيات الاتصال وسرعات الإنترنت، تنامت أعداد المهتمين بخوض تلك التجربة الترفيهية الاستثنائية، خاصة عندما لا يكون خيار الكازينو الأرضي أو مكاتب وكلاء المراهنة متاحًا. على الرغم من التقدم الهائل الذي أحرزته العديد من الدول فيما يتعلق بالقوانين والقواعد التنظيمية للمقامرة عبر الإنترنت، إلا أن الأمر مختلف تمامًا في شتى بقاع العالم العربي، حيث التصادم مع المعتقدات الدينية والثقافية يصل بجذوره إلى أعماق بعيدة. في السطور التالية، نستعرض ملامح التحديات والفرص التي ترسم مشهد المقامرة في الدول العربية بشكل عام، في محاولة لمعرفة ما إذا كان يمكن إيجاد طريقة للتوفيق بين التقاليد والطلب المتزايد على المقامرة القانونية.

حول تنظيم أنشطة المقامرة في الدول العربية

لسنوات طويلة، جاء التعامل مع مسألة المقامرة في الدول العربية متأرجحًا بين الحظر الذي يفرضه التشريع الديني، ومتطلبات اقتصادية أسس لها تطور الأنشطة السياحية في العديد من دول المنطقة. في مصر على سبيل المثال، سُمح بترخيص الكازينوهات الأرضية على أن تقتصر ممارسة أنشطة المقامرة وألعاب الكازينو على الأجانب فقط وليس المواطنين. كذلك كان الحال في لبنان، تونس والمغرب. على صعيد آخر، تبنت بعض الدول سياسة الحظر الكامل مثل المملكة العربية السعودية.

 

تغيرت قواعد اللعبة بعض الشيء في السنوات الأخيرة بعد سماح عدد من الدول العربية بتنظيم أشكال محددة من أنشطة المقامرة. تمثلت أبرز تلك المبادرات في مسابقات اليانصيب الوطني في المغرب وسحوبات محظوظ الإماراتية، بالإضافة إلى الرهان على سباقات الخيول والهجن. عامل جديد أضيف للمعادلة وهو منصات المقامرة عبر الإنترنت، والتي نجح casinoarab.com في تسليط الضوء على أهمها. ومع ذلك، ساهمت طفرة المقامرة عبر الإنترنت في فرض المزيد من الغموض على المعادلة. لا تعترف هذه المنصات بالحدود الجغرافية، الأمر الذي يجعلها خيارًا مثاليًا للانخراط في أنشطة القمار في ظل غياب لوائح تنظيمية واضحة فيما يتعلق بالحدود الرقمية.

المشكلات التي تواجه لوائح تنظيم القمار في العالم العربي

بشكل عام، تواجه التشريعات المتعلقة بتنظيم أنشطة المقامرة في العالم العديد من التحديات. على سبيل المثال، التعارض بين القوانين الفيدرالية وقوانين بعض الولايات في الولايات المتحدة الأمريكية يعطل الوصول إلى مقترح موحد وواضح. كذلك تصبح الأمور أكثر تعقيدًا مع دخول عامل الإيرادات الضريبية في مواجهة تشجيع الاستثمارات. أيضًا في أوروبا تعطلت العديد من المحاولات بسبب تضارب اللوائح التنظيمية للمواد الإعلانية، وعدم وجود نهج موحد لأعضاء الاتحاد الأوروبي حول المسألة.

 

على الجانب الآخر، تتخذ معضلة التعامل مع القواعد التنظيمية لأنشطة المقامرة بُعدًا اجتماعيًا أكثر منه اقتصاديًا، وتتبلور ملامحه في النقاط التالية:

  • الصدام مع التعاليم الدينية – خاصة الشريعة الإسلامية التي تستهجن هذا النوع من الأنشطة لما تنطوي عليه من مخاطر. 
  • المخاوف المتعلقة بالجانب الأخلاقي – حيث تحمل المقامرة دلالات سلبية في العديد من المجتمعات العربية.
  • المشهد القانوني غير المتكافئ – والذي تظهر آثاره بوضوح في الدول التي تعتمد على السياحة ضمن مصادر الدخل.
  • مخاطر غسيل الأموال – لا سيما أن بعض دول المنطقة لها تاريخ طويل مع المخاطر الأمنية التي تهدد استقرارها.

هل تكتب الإمارات العربية المتحدة عنوان المرحلة الجديدة

في عام 2022، أعلن عن التعاون بين شركة وين ريزورتس وشركة مرجان لإقامة منتجع متكامل يضم منطقة “للألعاب” في إمارة رأس الخيمة. رأى العديد من الخبراء أن هذا التعاون بمثابة خطوة أولى على طريق تعديلات ثورية في توفيق أوضاع صناعة المقامرة في المنطقة. تأكدت هذه الرؤى في عام 2023 مع إنشاء الهيئة العامة لتنظيم الألعاب التجارية في دولة الإمارات العربية المتحدة على غرار هيئة مالطا للألعاب ومثيلاتها. يقود الهيئة الاتحادية الجديدة مجموعة من خبراء الصناعة على مستوى العالم، بهدف تدشين بنية قوية وفق أعلى المعايير العالمية لتنظيم مجال الألعاب التجارية.

النشاط السياحي يدعم مستقبل صناعة “الألعاب التجارية”

منذ الإعلان عن منتجع وين جزيرة المرجان وما ارتبط بهذا المشروع من أخبار حول تعديل اللوائح التنظيمية لأنشطة المقامرة، استخدم مصطلح “الألعاب التجارية” للإشارة ضمنيًا إلى ألعاب الكازينو في العديد من البيانات والتقارير الصحافية. في هذا السياق، تناولت العديد من التحليلات تأثير هذا المشروع الضخم باستمثاراته التي تتجاوز 3.8 مليار دولار على قطاع السياحة الإماراتي. يعتمد جزء كبير من اقتصاد الإمارات غير النفطي على قطاع السياحة (تستقبل البلاد نحو 15 مليون زائر سنويًا)، وتمثل منشآت القمار عامل جذب هام قادر على تنمية وتطوير القطاع.

تجربة سنغافورة مصدرًا للإلهام

استطاعت سنغافورة بناء نموذج مثالي يوازن بين الاهتمامات الدينية والاجتماعية والمنافع الاقتصادية لتنظيم أنشطة المقامرة المختلفة. اليوم، تحكم صناعة القمار في سنغافورة منظومة من القواعد واللوائح التنظيمية الصارمة، لضمان تلبية احتياجات السياح في المقام الأول مع مراعاة الأبعاد الثقافية والدينية والاجتماعية للمواطنين. بالإضافة إلى العلاقات الممتدة بين البلدين، تتشابه الإمارات وخاصة دبي مع سنغافورة في العديد من الجوانب خاصة فيما يتعلق بسهولة الأعمال وإتاحة الفرص. فهل تستفيد دولة الإمارات من تجربتها الناجحة في تنظيم أنشطة المقامرة؟

كيف يمكن للمنطقة العربية تحقيق النجاح في تنظيم صناعة المقامرة؟

لا شك أن معالجة الصعوبات التي تواجهها عملية تنظيم أنشطة القمار في الدول العربية ليست سهلة. يحتاج الأمر إلى بذل الكثير من الجهد في العديد من الاتجاهات لتحقيق ذلك على المدى الطويل.

  • دراسة الأثر الاجتماعي وتقويمه عند الحاجة: بمساعدة تدابير المقامرة المسؤولة (حدود الودائع، وبرامج الاستبعاد الذاتي، وحملات التوعية)، وتخصيص جزء من الإيرادات للبرامج الاجتماعية لمعالجة الآثار السلبية المحتملة.
  • الموازنة بين الاعتبارات الدينية والمنافع الاقتصادية: من خلال التركيز على جذب السياح وفرض القيود التي تحد من انخراط المواطنين، بما في ذلك القيود العمرية وإلزامية سداد رسوم إضافية.
  • بناء إطار تنظيمي قوي: عن طريق صك تعريفات ولوائح واضحة تحدد بوضوح أنشطة المقامرة المسموح بها، ومن يمكنه المشاركة، وكيف سيتم مراقبة العمليات وفرض الضرائب عليها.
  • تنفيذ برامج لتشجيع سلوكيات المقامرة المسؤولة: وكذلك تقديم الموارد والدعم اللازم عند الحاجة من خلال إطار عمل منظم يشمل المنظمات غير الحكومية ومتخصصي الرعاية الصحية لمعالجة مخاوف الإدمان.
  • تدابير مكافحة غسيل الأموال: عبر إنشاء بروتوكولات قوية لمكافحة غسل الأموال لضمان عدم استخدام الكازينوهات والمنصات عبر الإنترنت (إذا كانت قانونية) لغسل الأموال، في إطار من العمل التعاوني مع الجهود الدولية لمكافحة الجرائم المالية.

الخلاصة

تتسم العلاقة بين العالم العربي وأنشطة المقامرة بالتعقيد. ما بين الحظر الديني وجاذبية العائد، وضعت بعض الأسس التنظيمية للقمار في عدد من الدول العربية، ولكنها لا تزال غير كافية خاصة في ظل تطور صناعة المقامرة عبر الإنترنت. في ظل هذه المنطقة الرمادية ما بين السماح بأنشطة القمار والحظر الجزئي، يتوقف النجاح على تحقيق توازن دقيق ووضع قواعد تنظيمية قوية. قد تحمل الإمارات شعلة المبادرة، لكن تظل مجرد البداية.

 

إنضم لقناتنا على واتساب